سيد محمد طنطاوي
287
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
تعالى - أحد يعينه أو يظاهره فيما يريد من إيجاد أو إعدام ، بل الأمر كله إليه وحده . فأنت ترى أن الآية الكريمة قد نفت عن تلك الآلهة المزعومة ، ملكية أي شيء في هذا الكون ، سواء أكانت ملكية خالصة ، أم ملكية على سبيل المشاركة ، وأثبتت أن المالك والمتصرف في هذا الكون إنما هو اللَّه - تعالى - وحده ، دون أن يكون في حاجة إلى عون من تلك الآلهة أو من غيرها . ثم نفى - سبحانه - أن تكون هناك شفاعة من أحد لأحد إلا بإذنه - تعالى - فقال : * ( ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَه إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَه ) * . والشفاعة : من الشفع الذي هو ضد الوتر - أي : الفرد - ، ومعناها : انضمام الغير إلى الشخص ليدفع عنه ما يمكن دفعه من ضر . أي : ولا تنفع الشفاعة عند اللَّه - تعالى - من أحد لأحد ، إلا لمن أذن اللَّه - تعالى - له في ذلك . قال الآلوسي ما ملخصه : والمراد نفى شفاعة الأصنام لعابديها ، لكنه - سبحانه - ذكر ذلك على وجه عام ، ليكون طريقا برهانيا . أي : لا تنفع الشفاعة في حال من الأحوال ، أو كائنة لمن كانت ، إلا كائنة لشافع أذن له فيها من النبيين والملائكة ونحوهم من المستأهلين لمقام الشفاعة . ومن البين أنه لا يؤذن في الشفاعة للكفار ، فقد قال - تعالى - : لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَه الرَّحْمنُ وقالَ صَواباً والشفاعة لهم بمعزل عن الصواب ، وعدم الإذن للأصنام أبين وأبين ، فتبين حرمان هؤلاء الكفرة منها بالكلية . . . « 1 » . وقوله : * ( حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ . . ) * بيان لما يكون عليه المنتظرون للشفاعة ، من لهفة وقلق . والتضعيف في قوله * ( فُزِّعَ ) * للسلب . كما في قولهم : مرّضت المريض إذا عملت على إزالة مرضه . فمعنى : * ( فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ) * : كشف الفزع عنها ، وهدأت أحوالها بعد أن أصابها ما أصابها من هول وخوف في هذا اليوم الشديد ، وهو يوم القيامة . و * ( حَتَّى ) * غاية لما فهم من الكلام قبلها ، من أن هناك تلهفا وترقبا من الراجين للشفاعة ومن الشفعاء ، إذ الكل منتظر بقلق لما يؤول إليه أمره من قبول الشفاعة أو عدم قبولها . والمعنى : ولا تقبل الشفاعة يوم القيامة من أحد إلا لمن أذن اللَّه - تعالى - له في ذلك ، وفي
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 22 ص 136 .